أخبار وطنية العميد بلعيد يتحدّث عن "صمت القصور والدساتير"، وسراب المحكمة الدستورية ويقول لتونس "لا تنسَيْ إِن كُنتَ في سنَةٍ فإنّ الدهرُ يَقظانُ"
نظم ائتلاف صمود اليوم الثلاثاء 20 جوان 2023 بأحد نزل العاصمة، ندوة وطنية تحت عنوان : أي تاريخ لموعد الانتخابات الرئاسية القادمة؟ وذلك بحضور عدد من الممثلين عن المنظمات الوطنية والجمعيات والأحزاب والشخصيات الوطنية من بينهم العميد الصادق بلعيد والمفكر يوسف الصديق والأستاذ الصغير الزكراوي الى جانب الاستاذ أمين محفوظ والخبير الاقتصادي والوزير الاسبق حسين الديماسي..
وفي بداية مداخلته التي جاءت تحت عنوان ": الانتخابات الرئاسية: صمت الدساتير"، قدّم العميد الصادق نبذة تاريخية تبسط أهميتها في مصادفة إلقاء مداخلته لليوم 20 جوان 2023 -والتي اعتبر أنها تتمحور حول ما سمّاه بصمت القصور- الى تاريخ 20 جوان للسنة الفارطة وهو التاريخ الذي قدّم فيه الى رئيس الجمهورية قيس سعيد مشروع الدستور من أجل جمهورية جديدة في الموعد "الصارم" الذي ضُرب له.
وأكّد العميد أنه رغم سوء حالته الصحيّة آنذاك التي كانت تستلزم عملية جراحية عاجلة إلّا أنه ارتأى تأخيرها من أجل الوفاء بالتزامه في تقديم مشروع الدستور في موعده المحدد .
وبيّن العميد الصادق بلعيد أنّ المشروع المُقدّم لرئاسة الجمهورية والذي لم ينل الرضا كاد أن يُحجز فجر نشره على أعمدة جريدة الصباح لولا حزم اصحاب الصحيفة الذين دأبوا منذ نشأتها على الإلتزام بحرية الصحافة، معتبرا أنّ ذلك المشروع ودون الدفاع عن عيوبه ولا نقاط ضعفه فإنه سيبقى دائما تحت تصرف جميع التونسيين بما يستحقه ولمن يستحق...
في ذات مداخلته يضيف بلعيد "مهمتنا اليوم كالعادة هو النظر الى المستقبل والى الصالح العام عن طريق ما يشاهده المجتمع التونسي من مصاعب تحدق به ومن أخطار عظيمة وداهمة تهدده وعن طريق بعض الافكار التي يمكن ان نقدمها في هذا المجال لصالح البلاد.."
ويواصل تصريحه قائلا "قد يتساءل البعض عن الصلة بين كلامنا هذا وبين عنوان المؤتمر الحالي حول الصمت.. وهنا اسمحوا لي بالقول بأننا في الحقيقة في صلب الموضوع باعتباور أن ما نريد جلب النظر به والتحسيس به هو سلوك المؤسسات الحاكمة الحالية المركّز على استعمال الصمت والسكوت والإسكات كوسيلة لصرف اهتمام هذا الشعب عن أمهات المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تبعثرت السلطة في معالجتها وفي فشلها الذريع في خلق المخرج منها.. "
اعتبر صاحب المداخلة بأنه وحسب نظره فإنّ المشاكل مهما احتدّت يمكن حلّها عن طريقين.. الطريق الأوّل هو ما عبّر عنه بطريق الفعل والعمل والقول أمّا الطريق الثاني فهو الذي أسماه العميد بلعيد هو طريق الترك والاهمال والصمت عنها معربا عن أسفه بأنّ هذا الأسلوب الأخير هو الأسلوب المتبع اليوم في بلادنا.
ويضيف الأستاذ الصادق بلعيد "إنّ قادتنا اليوم عندما يذهبون الى الخارج ترى فيهم الحناجر وقد تفتقت والحناجر وقد تفتحت والخطب الرنانة وقد سردت.. أمّا اذا رجعوا الى هذه البلاد وكما قال المرحوم احمد بن صالح "سكوتا ومُروا بين المسامير..".. في هذا الباب في الذات علّني ان أتساءل عن المدخل الى هذا الغاب الكثيف.. غاب الصمت فأقول مستلهما ببعض التصرّف من بيت شعري للمتنبي" عيد بأية حال عدت يا بلعيد؟ بما مضى أم فيك تجديد؟ وهو سؤال ربما قد نجد له بدّا من استحضاره في خضّم مصادفة هذه المناسبة لتاريخ تقديم مشروع الدستور في 20 جوان الفارط 2022.."
ويمرّ العميد الصادق بلعيد إلى الموضوع الأساسي لمداخلته بعنوان صمت الدساتير ليقول محذّرا إنه في خضم فكرته المتعلّقة بالدساتير فإنّ هذه الأخيرة قد تخفي أكثر مما تعلنه وتنطق به وهو ما يجب علينا الانتباه له والنظر فيه..
أيّ وجود للديمقراطية في تونس؟
وحول مسألة الديمقراطية في تونس، يبرز العميد بلعيد ويتساءل عن حقيقة وجود الديمقراطية في بلادنا من عدمها فيقول "إذا ما نظرنا إلى هذه الديمقراطية فإنه يمكن القول بأنها الحوار والنقاش والجدل... ومن هذه الزاوية يمكن القول أن ما تختص به الديمقراطية في بلادنا -إن هي حقا موجودة فيها- هو الصمت.. صمت المجتمع المدني.."
وهنا ذكّر بلعيد إلى ضعف نسبة المشاركة في الاستفتاء الدستوري بتاريخ 25 جويلية للسنة الفارطة، معتبرا أنّ نسبة عزوف المشاركة في الانتخابات إن كانت تدلّ على شيء فهي تدل على الصمت وهوما يعتبر أمرا حقيقي وخطيرا وملفتا للنظروالانتباه.
وتساءل في هذا الإطار قائلا : كيف يمكن القول ان تونس تعيش ديمقراطية وتعمل بنواميس وأحكام وقوانين الديمقراطية الحقة؟ ونحن نعلم أن 80 بالمائة من الناخبين الموجودين في هذه البلاد لازموا منازلهم أو اشغالهم وامتنعوا عن القيام بهذا الواجب الانتخابي الأساسي؟
واعتبر العميد أنّ هنالك ماهو أخطر من هذا النوع من الصمت وهو ما أسماه بالصمت المؤسساتي أو صمت المؤسسات، مشيرا إلى أنه استلهم هذه الفكرة من عنوان فيلم "صمت القصور" للمخرجة مفيدة التلاتلي وهي فكرة بيّن الصادق بلعيد أنها تحمل معنى صحيحا وحقيقيا بعيدا عن المعنى المجازي وهو صمت مؤسساتي هيمن على كلّ قصور السلطة.. قصر قرطاج.. قصر القصبة.. قصر باردو..
وفي حديثه عن مسألة "الصمت والسكوت"، ارتأى الأستاذ الصادق بلعيد بسط 4 محطات متعلّقة بهذه المسألة.. المحطة الأولى هي المتعلّقة بـ "التدابير الاستثنائية والمراسيم الرئاسية" معتبرا أنّ عبارة التدابير الاستثنائية هي عبارة "فظيعة" متعلّقة باستعمال الصمت للحكم دون أي رقابة مسلّطة ودونما الحق في هذه الرقابة..
سراب المحكمة الدستورية...
أمّا المحطة الثانية أسماها العميد بـ "سراب المحكمة الدستورية"، متسائلا عن سرّ عدم الحديث حول هذه المؤسسة الهامة والسكوت بشأنها، و المحطة الثالثة وهي التي اقترح لها عنوانا بـ "معظلة المحليات والجهويات"..
والمحطة الرابعة والأخيرة تتعلق بـ "التهافت على السلطة والتمسك بها" وفق ما بيّنه الصادق بلعيد الذي أضاف بأنّ كل هذه المحطات هي مواضيع صمت وسكوت..
ومن خلال العودة إلى مسألة او محطة التدابير الإستثنائية والمراسيم ، اعتبر العميد أنّ عبارة التراتيب الاستثنائية وضعت لأول مرة في هذا العهد حيث أنه سابقا تحديدا في نظامي 1959 و2014 كان الحديث يتعلّق بالمراسيم أما في هذا النظام الحالي فقد وقع لأول مرة استعمال ما يسمّى بالتراتيب الاستثنائية..
ويضيف المتحدّث في هذا الإطار:" هذه المراسيم والأوامر الرئاسية كما تسمى هي نوعان.. النوع الأول منها هو الذي يأتي عن طريق تفويض من صاحب التشريع أي المجلس التشريعي الذي يفوض رئيس الدولة او رئيس الحكومة للقيام باصلاح ما في مدة زمنية محدّدة وفي موضوع مخصص ثم يرجع بعد انهاء ذلك العمل الاستثنائي الى مجلس النواب او المجلس التأسيسي اما للموافقة عليه أو لرفضه.. أما الصنف الثاني المتعلّق بالتراتيب الاستثنائية كما تم تسميته فهو من صنف الأمر الرئاسي عدد 117 من سنة 2021 والمؤرخ في 22 سبتمبر 2021 والمتعلق بتدابير استثنائية جاءت على أساس الفصل 80 من دستور2014.."
أسوء تطبيق للفصل 80...
واعتبر في ذات الإطار العميد بلعيد أنه تم استعمال الفصل 80 بأسوء طريقة شهدها تاريخ الدستور التونسي المعاصر مستنكرا طريقة الاستناد على فكرة "عملا بمبدأ أن السيادة للشعب" والحال أنه تم التغوّل على كل السيادة فضلا عن شجبه عدم قبول المراسيم الطعن بالإلغاء الى جانب تعزيز رئيس الجمهورية قبضته ليمنح لنفسه ما يكفيه من سلطات كرئاسة الوزراء فضلا عن اللجوء الى الاستفتاء.
وتساءل بلعيد الى متى سيستمر الصمت قائما بشأن المرسوم عدد 117 الذي لم يتوقف العمل به رغم انّ دستور 2022 أقر أنه في حال تنصيب المجلس التشريعي فإنّ هذا المرسوم لا يبقى ساريا "يستمر العمل في المجال التشريعي باحكام الامر الرئاسي 117 الى حين ان يتولى مجلس نواب الشعب وظائفه بعد تنظيم انتخابات اعضائه"..
واعتبر أن استمرار الوضع المتعلّق بالسكوت عن مآل المرسوم عدد 117 رغم ما نطق به الدستور سيؤدي بنا الى الانحدار والسقوط في دوامة اللا المشروعية المطلقة واللامحدودة فمادام السكوت قائما فإن مرسوم 117 لن يتوقف العمل به..
أما في ما يخص المسألة الثانية وهي المتعلّقة بسراب المحكمة الدستورية، اعتبر الصادق بلعيد أن فكرة المحكمة الدستورية لم تكن موجودة في تاريخ السنوات الأولى للاستقلال بل ان الفكرة ارتبطت بالأنظمة الدكتاتورية فمن ينشؤ هذه المؤسسة هو صاحب مقاليد الحكم وصاحب النظام مثل (نظام بن علي). حيث كانت آنذاك المحكمة الدستورية مجرّد مجلس استشاري; وضعه بن علي لحمايته وحماية نظامه من هجومات الأوساط الديمقراطية..
أمّا بشأن الحالة التي انشأها دستور 2022 المتعلّقة بوضع المحكمة الدستورية أبرز بلعيد في البداية أنه تم الصمت والسكوت على تاريخ ارسائها ووضعها وانشائها منتقدا في ذات القالب مسألة اختيار أعضائها (9 أعضاء) ثلثهم الأوّل من أقدم رؤساء الدّوائر بمحكمة التعقيب، والثلث الثاني من أقدم رؤساء الدوائر التّعقيبية بالمحكـمة الإدارية، والثلث الثالث والأخير من أقدم أعضاء محكمة المحاسبات.
واشار الى أن القضاة الذين يباشرون رئاستهم لمحكمة التعقيب يكونون في عمر 50 الى 55 وبالنص المذكور الذي يتعلق بأقدم المترشحين سيكونون بالتالي في عمر متقدم وهو ما يعني أنه سيكونون بمثابة "اضعف قيمة فكرية قانونية تجريبية في هذا الميدان" على حدّ تعبيره.. مضيفا أنه وقع تدليس فكرة المحكمة الدستورية لذلك فإنه "حانوت مغلوق ولا كرية مشومة" وفق توصيفه.
إنّ الدهر يقظان...
ويضيف العميد الصادق بلعيد في ذات مداخلته "أقول إن الشعب إن بقي ساكتا وصامتا امام هذه المتاهات والمطبات فان تونس لن تكون بخير ولن تتقدم.. واقول كذلك ان تونس في إشكالية عظيمة من ناحية تنظيمها الدستوري، السياسي، الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك في تصوّر مستقبلها خاصة بعد فشل كل الآمال المتعلّقة بدستور الرئيس سعيد.. ولا أمل لهذا النظام الحالي من الخروج من هذه المأساة... وختاما اتوجه الى تونس بكلمات استلهمتها من قصيدة للشاعر ابو البقاء الرندي فأقول لها "تونس العزيزة لا تنسي ان كنت في سِنة.. لا تنسي ان الدهر يقظان..".
منارة تليجاني